روح البحث

الأربعاء، 20 أغسطس 2014

في سبيل ...ما!!



ركضت بسرعة وأنا أسمع رنين هاتفي متجاهلة سؤال اطفالي ماما بتطلعي؟؟ ولا غرابة أن يتساءلوا نظرا لندرة خروجي من البيت مطبقة (وقرن في بيوتكن)[i] بحذافيرها!
كنت قد تجلببت بعباءتي الفضفاضة (على قدر تديني ) كما تروي الآثار عن منام رآه النبي الكريم لعمر[ii] يجر أثوابه فلما سئل عن التأويل قال:الايمان.
وهكذا خيل إلينا معشر (المطوعات).. وسبب ركضي ليس إلا بسبب ديني بحت.. كي لا تراني (حماتي ) وكعادتها ستسألني: وين رايحة؟
وطبعا لأن الكذب حرام.. ولأن الجهر بالعمل الصالح قد ينتقص من حسناته.. ففضلت ان أعمل مراثونا (طالبانيا) طبعا أعني تدثري بالسواد والنقاب.. كي لا أواجه سؤالها.. ونجحت في التسلل من المنزل إلى سيارة صديقتي صاحبة مشاريع الأيادي البيضاء التي عرضت علي توزيع مؤونة رمضان على الفقراء!
طرت الى السيارة كخفاش وجد فريسة ...سلمت عليها لاهثة.. رفعت النقاب كي تتأكد إنها أنا بلحمي وشحمي وليست فتاة منسلة من القاعدة !
قالت مبتسمة: توكلنا على الله.
تحركت بنا السيارة وأنا أعالج نواياي ورغبتي الخالصة  في الخروج في سبيل الله وصلنا أمام اول بيت من بيوت( الفقراء ) في الحارة ترجلت من السيارة وقلبي يطير فرحا.. وانا أجاهد قلبي كي لا أفسد نيتي الخالصة لله ولا أعلم كيف للفرح بعمل الخير أن يفسد عملا صالحا!
لكن سرعانما انقبض قلبي وأنا التفت الى الباب حاملة شوالا من الطحين... حيث كانت تجلس فتاة ممتلئة الجسد ترتدي جلابية صفراء فاقع لونها تسر الناظرين .. ولم اتبين ملامحها وهي تضغط على أزرار (التوت الأسود) .. هتف قلبي المتمرد على الآخرة .. بلاك بيري وانا عندي هالسوني اريكسون الكحيان .. هذيلا محتاجين صدقات!
سلمت عليها .. لم ترفع رأسها إلي وردت باقتضاب: وعليكم.. ثم انزوت قليلا وحشرت بجسدها اللاحم الى زاوية الباب كي تسمح لي بالدخول وهي تشير بيدها الى الداخل: تفضلي!
على ما يبدو انها قد اعتادت قدوم المنقبات يحملن الصدقات فلم تكلف نفسها عناء أن تحمل عني الشوال!!
اقسم بالله العظيم لم تمر علي ثواني من زلزال مدمر كهذه ولا زلزال فوكوشيما.. قلت في نفسي هل ألقيه على رأسها.. أم ألقيه بكل تهذيب في حجرها الدافئ الذي يحتضن توتا أسودا ودردشة لا تنقطع! وأقطع خبرها !
رفعت بصرها الي وبشفاهها الغليظة هتفت: تفضلي اختي.. الوالدة داخل!
حسنا، لقد جعلتني اختك.. وهذا جدا كاف في تغيير خطة اغتيالك بشوال الطحين! ذكرتُ نفسي بما عند الله وما عاناه الرسول الكريم من جلافة قريش وأبي لهب تبت يده!
دلفتُ المنزل وأنا أحاول تغيير ترددات قلبي الدنيوية الى تردد أخروي والجنان وأنهار اللبن.. مررت بالحوش الغير مبلط.. كانت التربة باردة وهي تتسلل بين أصابع قدمي.. كانت الساحة نظيفة وهادئة.. و توجهت الى امرأة مسنة عمياء جالسة على حصير في صالة البيت المفتوح كالبيوت العمانية القديمة.. كانت منهمكة في طي كومة من الملابس الزاهية مما ذكرني باللون الفاقع الذي اصطدمت به عند عتبة البيت قلت في نفسي يبدو أن هذه الازياء والكريستالات البراقة تعود إليها.. تساءلت في نفسي كم تكلفها هذه الأثواب بالتأكيد أكثر مما أصرفه على ملابسي أضعافا مضاعفة!  رحبت المرأة بي وردت علي التحية بدفء.. تركت الشوال وهي تلح علي بالجلوس.. فاعتذرت أن صاحبتي في السيارة تنتظر... خرجت وأنا اتأجج هل أخطات صاحبتي باختيار هذا المنزل للصدقات! هل مشروعها مشروع شرعا! بدأت الأفكار الغامضة تتلبد في سماوات تفكيري ثم عدت أدراجي حيث تجلس تلك السمينة بهاتفها الذي لا يصمت بالاشعارات بينما والدتها منهمكة في طي ملابسها المبهرجة.. هل أنصحها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. أم اتجاهلها اشتدت دقات قلبي.. ماذا لو قالت لي : مالش دعوة! مو يخصش انتي!!
عنئذ ستتلبك مصاريني وسأعيش كابوسا بسبب عمل خيري! عندها قررت الصمت وأن اكتفي بما قدمناه من خيرات لهم.. وأنا أخرج من عتبة الباب وقبل أن اهم بصعود السيارة استوقفني  الاحساس بكومة من الرمال تسللت الى قدمي فنفضتها مثيرة زوبعة من الغبار وقفزت بخفة قطة الى السيارة دون أن انظر لحال فتاة التوت وهي تزيح عنها تلك العاصفة وانطلقنا الى بيت آخر لنقدم البركات!




[i] الاحزاب
[ii] عمر بن الخطاب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق