روح البحث

الجمعة، 7 ديسمبر 2012

ما زالت وجنتي تشتعل دما! (2)




صوت يقفز من وسط معمعة القهقهات..يتضح اكثر واكثر..هذا الصوت الذي استوطنني باكراه!! اغتصب نفسي ونفسيتي البكر بقسوة!! منذ زمن سحيق من عمري القصير!
الصوت يقترب..الحروف تسطع على مسامعي بحراره..المشهد يتبدى امامي رغم ضباب المطر!
لماذا لم تحضري ما طلب منك؟؟ اين المريلة ؟ اين المقادير التي طلبت منك؟؟ ايتها المهملة البليدة؟؟
صوت المعلمة القادمة من ارياف فقيرة لدولة عربية.. يجلجل في ارجاء الصف بلا هواده مصطدما بكل زوايا "الصف " مرتدا بقسوة  على رؤوس الطالبات المصفوفة والمرصوصة التي حبست انفاسها امام هول هذه الزلزلة المباغته.. جسدي الهزيل يترنح امام رياح صوتها الجهور القاسي ...قلبي ينبض بهلع ..اريد الصراخ بكل قوة طفولتي الهزيلة..اريد البكاء بعنف لكن الصمت يطوقني منذ ليلة البارحة!!
اريد ان افتح فمي الجاف بلا جدوى..ان اخرج الآهات المتكومة والمكتومة في صدري الصغير..لا استجابة تذكر الا من شهيق وزفير متسارع ومتقطع!! جوارحي تبلدت!! كما لا تكف هذه المعلمة بالذات من نعتي بالبلادة!
صوت المعلمة يحرق وجنتي..
اه يا امي هاهي اللحظة التي توسلتك البارحة الا اشهدها! وابيتِ الا ان احياها بكل تفاصيل بؤسها! كم انتِ  قاسية!!
امسكت باطراف ثوبك متشبثة استجديك رحمة: لن اذهب الى المدرسة ..غدا حصة التربية الاسرية... ستضربني المعلمة ان لم آخذ لها ما طلبت.. ارجوك امي فقط غدا اتغيب عن المدرسة!!
وتصطرخين في وجهي: نحن فقراء من اين لنا نأتي بما تطلبه معلمتك؟؟ وكم مرة ستتغيبين الم تتغيبي عن حصة الالعاب بسبب ادوات الرياضة..الم تتغيبي عن حصة العلوم..الم تتغيبي عن حصة الموسيقى ؟؟هل سترتاحين اذا تم فصلك لا تنسي انك مميزة في درجاتك معلمة الرياضيات والاسلامية واللغة الانجليزية واللغة العربية يمتدحون ذكاءك ومبهورون بدرجاتك ابنتي ادرسي لاجلك وليس لاجلنا..كي تنعمي بما ترغبين..
الخوف تملكني من الغد القادم اعلم شراسة يد هذه المعلمة العملاقة..الذعر تلبسني بعناد هتفت: لن اذهب  .. وليكن ما يكن..
رفعت امي يدها النحيلة بكل بؤس فقرها وقهرها على صدغي الايمن!!
انا وحيدة تماما ...آآآآه ما أقسى الوحدة... نملة امام عاصفة هوجاء بماذا اتشبث وبمن استند وكل شيء حولي يخذلني.. في تلك اللحظة ايقنت ان الفقر كفر!!
نظرات المعلمة الهازئة بفقري وقلة حيلتي تعريني بجلافة امام  زميلاتي ..تمرر نظرها المقيت على جسدي النحيف ومريولي الباهت الذي التصق بجسدي بهلع وشبق..يأبى مفارقة جسدي الذي يكبر..بمرور السنين..بهتت الوانه.. ضاقت ياقته قصرت اكمامه ..مطوقا جسدي بافتتان ..مبرزا براعم الفتنة رغما عني..وامي تستمر في اقناعي ان مريولي ليس بضيق..بل عقلي الذي  ضاق!!
اقتربت مني بترهلاتها.. تتكلم وتنذر وانا لا أعي ...سوى حركات جسدها الممتليء عن آخره باللحوم والشحوم..انها تقترب هذا نذير شؤم!! كالشؤم الذي حاق بزرقاء اليمامة ! ما كان ذنبها سوى انها انذرت قبيلتها من الغزاة..فاقتلعت عيناها ببشاعة!
وقد انذرتني نفسي من شر هذه المعلمة..ليت شعري هل من مناص من هذه المصيبة!
 لماذا تحقد علي هذه المعلمة التي ولاشك ذاقت مرارة الفقر! يبدو جليا من مساحيقها الرخيصة وذوقها السوقي في الملبس ومن تكرار ملابسها التي حفظناها اكثر من مناهجنا!! اتحقد على  ملاحة  ورثتها من امي ..ام على جسدي البض الذي يتدفق عنفوانا..والذي يمر بمرحلة تحولي الى فراشة! هل تظن انني اتعمد ابداء مفاتني  التي تزدهر رغما عني ورغما عن فقري..هل يغيظها جمالي الذي لم يستطع الفقر ان يطمسه رغم شحوبي.. هل  جسدي يغيظ جسدها المترهل! انه حقد المرأة على المرأة ما اقبحه..ولايمكن تخيل عمق بئره!
صوتها يتضح الان وظلها القاتم جثم على جسدي..هاهي ترفع يدها الثقيلة المكتنزة بالترهلات..وهي تدمدم: هذه اخر مرة اطلب منك شيئا ولا تأتيني به!!
وسقطت يدها بكل قسوة على وجنتي الصغيرة.. وارتطمت اصابعها الثخينة ببصمات اصابع امي الواهنة...وامتزجت الدماء والتهبت الحمرة القديمة بالشعلة الجديدة ...وارتطم دوي هذه الصفعة بجبل كبريائي الذي تهشم!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق